فخر الدين الرازي
177
تفسير الرازي
أنه لا يعذب أحد من الناس عذاب الكافر ، كقوله : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( فاطر : 18 ) قال الواحدي وهذه أولى الأقوال . المسألة الثانية : العذاب في القراءتين بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى الإيثاق ، كالعطاء بمعنى الإعطاء في قوله : أكفراً بعد رد الموت عن * وبعد عدائك المائة الرتاعا * ( يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ) * . اعلم أنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا ، وصف حال من أطمأن إلى معرفته وعبوديته ، فقال : * ( يا أيتها النفس ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : تقدير هذا الكلام . يقول الله للمؤمن : * ( يا أيتها النفس ) * فإما أن يكلمه إكراماً له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك ، وقال القفال : هذا وإن كان أمراً في الظاهر لكنه خبر في المعنى ، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله ، وقال الله لها : * ( فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي ) * ( الفجر : 30 , 29 ) قال : ومجئ الأمر بمعنى الخبر كثير في كلامهم ، كقولهم : إذا لم تستح فاصنع ما شئت . المسألة الثانية : الاطمئنان هو الاستقرار والثبات ، وفي كيفية هذا الاستقرار وجوه أحدها : أن تكون متيقنة بالحق ، فلا يخالجها شك ، وهو المراد من قوله : * ( ولكن ليطمئن قلبي ) * ( البقرة : 260 ) وثانيها : النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبي بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع قوله : * ( ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة ) * ( فصلت : 30 ) وتحصل عند البعث ، وعند دخول الجنة لا محالة وثالثها : وهو تأويل مطابق للحقائق العقلية ، فنقول : القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر الله ، أما القرآن فقوله : * ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) * ( الرعد : 28 ) وأما البرهان فمن وجهين الأول : أن القوة العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات ، فكلما وصل إلى سبب يكون هو ممكناً لذاته طلب العقل له سبباً آخر ، فلم يقف العقل عنده ، بل لا يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه ، حتى ينتهي في ذلك الترقي إلى واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات . ومنتهى الضرورات ، فلما وقفت الحاجة دونه وقف العقل عنده واطمأن إليه ، ولم ينتقل عنه إلى غيره ، فإذاً كلما كانت القوة العاقلة ناظرة إلى شيء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر عنده ، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود ، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه ، فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود الثاني : أن حاجات العبد غير متناهية وكل ما سوى الله تعالى فهو متناهي البقاء والقوة إلا بامداد الله ، وغير المتناهي لا يصير مجبوراً